ماذا تعرف عن أدب الرسائل؟
من الوثيقة الوظيفية إلى النص الأدبي، ومن ألواح الطين إلى البريد الرقمي، ظلّت الرسالة مرآة للإنسان وعصره.
فنٌّ عريقٌ قديمٌ قدم التاريخ، حوّل الشوق والفكرة والشكوى إلى نصٍّ يُقرأ لذاته. تعرّف على تاريخه القديم وحياته الجديدة قبل أن ترسل أولى رسائلك في مكتوبلي وتوجهّها إلى مجهول.
كتابٌ أم رسالة؟
في اللغة العربية، توجيه كِتابٍ يعني توجيه رسالة؛ فقد كانت المراسلات تبدأ قديمًا بعبارة: «أرسل لكم كتابي هذا...» فالرسالة ليست كلماتٍ وسطورًا، إنها حكايةٌ وكتاب، وكلّ كتابٍ.. رسالة!
لغةً
مأخوذةٌ من مادة «ر س ل»، ومنها «الرسول» و«الإرسال»: كلامٌ يوجّهُ إلى شخصٍ بعينه، له وجهة ومسارٌ ومُرسَلٌ إليه محدّد.
غير أن هذا التوجّه وحده لا يصنع أدبًا؛ فثمّة فرقٌ جوهريٌّ بين نوعين من الرسائل:
الرسالة الوظيفية
تنقل معلومةً أو طلبًا أو تعليماتٍ بأسلوبٍ مباشر، لا تُعنى بالجمال اللغوي، وتنتهي مهمّتها بمجرّد وصولها إلى صاحبها.
الرسالة الأدبية
تتجاوزُ وظيفة التواصل العمليّ إلى التعبير الجَماليّ، حين تتضافر فيها الذاتيّة الصادقة والصياغة الفنيّة والصورة البيانيّة، فتُقرأ لذاتها كنصٍّ أدبيٍّ قائمٍ بذاته.
رحلة الرسالة عبر خمس حضارات
قبل أن تصل الرسالة إلى صندوق بريدك، أو إلى شاشتك، قطعت آلاف السنين على ظهور الخير وأجنحة الحمام وسواعد العدّائين!
مصر الفرعونية
رسائل البردي وألواح الطين: نصائح أخلاقية وشكاوى إنسانية بأسلوب أدبي رفيع، إلى جانب تأسيس بريدٍ ملكي منظّم.
اليونان وروما القديمتان
من أفلاطون إلى شيشرون وسينيكا: بريدٌ للعامّة يحمله عدّاؤون (الهيميرودروموي)، ورسائل فلسفية لأفلاطون وأبيقور، حتى بلغ أدب الرسائل ذروته حين نشر شيشرون وسينيكا رسائلهما الشخصية كأعمالٍ أدبية موجَّهة للجمهور.
بلاد فارس
نحو 500 ق.م (تشابار خانه): محطات بريد بالخيول عبر الإمبراطورية، أسّستها الملكة أتوسا التي تُنسب إليها أوّل رسالة مسجَّلة في التاريخ.
الجاهلية
الخطابة والشعر بديلان عن الرسالة: في غياب كتابةٍ واسعة الانتشار، أدّت الخطابة والشعر وظيفة الرسالة في نقل الرأي والوجدان.
الدعوة والسياسة والتشريع
تميّزت بالرسائل الدعويّة والسياسيّة، كرسائل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الملوك والأمراء (كهرقل والنجاشيّ والمقوقس) لدعوتهم إلى الإسلام. والرسائل التشريعيّة والتوجيهيّة في بيان الفرائض كالزكاة والجهاد، سواء من النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أو الخلفاء الراشدين. ورسائل الإخبار والفتوحات المتبادلة بين قادة الجيوش والخلفاء في المدن الإسلاميّة، ورسائل العهود والمواثيق والصلح والمعاهدات. وكانت لها طريقة معروفة في الكتابة تبدأ بالبسملة، وتحديد المرسل والمرسل إليه، والخاتمة بالسلام.
ديوان الرسائل الحديث
عصر تأسيس ديوان الرسائل الحديث على يد عبد الحميد الكاتب مؤسّس فن الترسّل العربي، بعد أن ارتقى بالرسالة الديوانية من أداة إداريّة إلى نصٍّ فنّي تأسّيًا بالفارسيّين.
ذروة الازدهار
ذروة الازدهار، إذ بلغ أدب الرسائل أوج نضجه على يد الجاحظ وأبي حيّان التوحيدي، بين حِجاجٍ فكريّ وسخريةٍ أدبيّةٍ راقية.
مراسلات خالدة
مراسلاتٌ وجدانيّةٌ وفكريّةٌ خالدةٌ بين الأدباء والساسة في أقطار العالم: من صمويل ريتشاردسون، وجون آبيغيل آدمز، إلى مدام دو سيفينييه، إلى دوستويفسكي وتورغينيف، إلى جورج صاند وغوستاف فلوبير، إلى كافكا وميلينا، إلى فنسنت فان جوخ وأخوه ثيو، إلى ريلكه، إلى جبران خليل جبران ومي زيادة، إلى غسان كنفاني وغادة السمان، إلى محمود درويش وسميح القاسم، إلى فدوى طوقان وإبراهيم طوقان...
أدباء ومفكّرون أعادوا للرسالة حرارتها الشخصية في قالبٍ أدبيٍّ حديث.
حين تتحوّل الرسالة إلى كتابٍ يُقرأ للأبد
جُمعت معظم مراسلات الأدباء في العصر الحديث في كتبٍ منشورة، يمكن اقتناؤها وتتبّع حرارة مراسلاتها.
الرواية في هيئة رسائل
بينما عمد العديد من الكتّاب إلى إدخال الرسائل في عالم الرواية، بجعل أعمالهم الروائيّة مبنيّةً على مراسلاتٍ بين أبطال الرواية، تتكشّف من خلالها الحقائق وتتصاعد الأحداث حتى تبلغ ذروتها ولحظة انكشافها.
من أبرز هذه الروايات: الفقراء، وجمعية غرينزي للأدب وفطيرة قشر البطاطس، و84، شارع تشيرنغ كروس، ودراكولا، وصاحب الظل الطويل، وعدوّي اللدود، واللون أرجوانيّ، وص.ب:1003، وغيرها.
بأي صوتٍ تكتبُ رسالتك؟
لكلّ رسالةٍ أدبيّةٍ نبرةٌ تحدّد شكلها ومفرداتها وصورها. قبل أن تبدأ الكتابة في مكتوبلي، اختر النبرة الأقرب لما تريد قوله:
صداقة
الدفء ومؤانسة الصديق، والدعم والمؤازرة والصدق.
وجدانيّة
تكثيفٌ عاطفيٌّ وصورٌ حِسّية، ومشاعر جيّاشة.
فكريّةٌ نقديّة
نقدٌ لفكرةٍ أو موقفٍ أو حادثة، أو تحليلٌ ورأيٌ شخصيّ.
وصفيّة
نقل تفاصيل مكانٍ أو رحلةٍ أو حادثةٍ من باب المشاركة والإخبار والإمتاع.
ساخرةٌ وفكاهيّة
خفّة ظلٍّ ومفارقة في الأسلوب والرأي والكتابة عمومًا.
وظيفيّة
نقل معلومةٍ بأسلوبٍ مباشرٍ بحت.
ما الذي تكسبه من كتابة رسالة؟
خصائصها الفنية
- الذاتيّة: صوت الكاتب الصادق دون تصنّع.
- الحواريّة: مخاطَبٌ محدَّد يوجّه اللغة كلّها.
- التلقائية والعفوية في التعبير.
- توظيف الصورة البيانية بمصداقيّة فنيّة.
ولماذا نتدرّب عليها؟
- تحرّرك من ضغط الجمهور العريض.
- تدرّبك على مخاطبة إنسانٍ مختلفٍ عنك.
- تنمّي فيك الإيجاز والتكثيف.
- تعلّمك الإصغاء قبل الاستجابة.
كيف وصلت الرسالة إليك؟
من رسولَي «ديوان البريد» في صدر الإسلام، إلى ختم معاوية بن أبي سفيان الرسمي الأوّل، إلى حمام الخليفة المتوكّل الزاجل، وصولًا إلى أوّل طابعٍ بريديٍّ لاصقٍ في العالم. ثم تسارع الزمن فجأة!
البِنّي الأسود: أوّل طابع بريدي لاصق في العالم.
قلّصت مساحة الرسالة العاجلة.
اتصالٌ فوريٌّ لا يحتملُ التأمّل الأدبي.
راي توملينسون، عبر شبكة أربانت، وكانت مجرّد حروفٍ ورموزٍ لا أكثر لتجريب إمكانيّة التراسل عن طريقة الشبكة!
ما زال الرمز في كل عنوانٍ إلكتروني.
هل ماتت الرسالة؟ لا؛ تغيّر بريدها فحسب!
ما عاد الفارق بين الورق والشاشة، لكنه الآن صار بين نصٍّ موجَّهٍ لشخصٍ بعَينه، ونصٍّ مفتوحٍ لجمهورٍ لا حدود له.
المنشور العام
منشورٌ مفتوح، أو تغريدةٌ من فردٍ إلى جمهورٍ غير محدَّد، بلا مخاطَبٍ بعَينه. «نصٌّ» يفتقر إلى خصوصيّة «ميثاق الرسالة» الذي يجمع طرفَين فقط، وبالتالي فهو أقربُ إلى إعلانٍ أو يوميّاتٍ عامّةٍ منهُ إلى رسالة.
الرسالة الخاصَّة الرقميّة
بريدٌ إلكترونيٌّ أو رسالةٌ خاصة، موجَّهةٌ لشخصٍ محدَّد، ومضمونها شخصيٌّ حَميم، وهي، رغم رقمنتها، امتدادٌ حقيقيٌّ لأدب الرسائل، لا نقيضٌ له.
ومع مكتوبلي، نمضي قُدُمًا
لا يكتفي مكتوبلي بنقل الرسالة الخاصة إلى الشاشة، إنّما يعيد إليها المغامرة التي بدأت بها أصلًا: أن تكتبَ إلى شخصٍ لا تعرفه، ولا يعرفك، دون أن تعلم مَن سيقرأ حروفك أو مَن سيردُّ عليها. هويّتك تبقى سرّيةً بالكامل، والرسالة تُوجَّه لمجهولٍ تحديدًا، لا إلى صديقٍ تعرفُه مسبقًا، ولا لجمهورٍ عريضٍ يُتابِعُك.
هذا هو الفارق الجوهريّ بين رسالةٍ إلكترونيّةٍ عاديّةٍ ورسالةٍ على مكتوبلي: الأولى تخاطبُ معروفًا في قالبٍ رقميّ، أمّا الثانية فتُعيدُ اختراع فكرة «المُرسَل إليه المجهول» التي بدأت بها الرسالة الأدبيّة قبل آلاف السنين، لتمنحك حرّية الصدق الكامل، ومودَّة مشاركة إنسانٍ آخر لا يعرفُ عنك شيئًا سوى ما تكتبهُ أنتَ بنفسك.
دعوةٌ ختاميّة
الرسالة الحقيقيّة تبدأ الآن، بالفكرة التي تعتملُ في دماغك، والشعور الذي يجيشُ في صدرك، وبأصابعك على لوحة المفاتيح..
اكتب أوّل رسالةٍ أدبيّةٍ إلى مجهول، والتحق بميثاقٍ إنسانيٍّ عُمره آلاف السنين، بثوبِه الجديد.
اكتب رسالتك