مختارات من مكتوبلي
رسائل ترك أصحابها فيها شيئًا من ذاكرتهم أو خوفهم أو أملهم، ثم أرسلوها إلى شخص لم يعرفوه.
أنا من جيل الزمن الجميل كما يُقال، عشت وتعاملت بالرسائل التي كان يحضرها لي ساعي البريد من صديقات الطفولة وزميلات المدرسة، وكم كانت فرحتي كبيرة عندما تصلني، أقرأها ثم أبدأ بكتابة ردي بكل عفوية. كانت تلك من أجمل اللحظات، يا ليتها تعود، فالعالم تغيّر والأحداث تتسارع بشكل مخيف.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سأسميك الغريب
إلى الغريب الذي حملت إليه الريح هذه الكلمات،
لا أعرف أين ستصل هذه الرسالة، ولا في أي لحظة من حياتك ستقرأها، لكنني لطالما آمنت بأن الكلمات، مثل الأرواح، تجد طريقها حين يحين وقتها.
أكتب إليك لا لأروي قصة محددة، ولا لأبحث عن إجابات، بل لأشاركك تأملًا صغيرًا في هذا الطريق الغامض الذي نسميه الحياة. ذلك الطريق الذي نمضي فيه ونحن نحمل بين أيدينا لحظات لا ننتبه لقيمتها إلا بعد أن تصبح ذكريات بعيدة.
كم من صباح مرّ علينا دون أن ندرك أنه كان يحمل جمالًا خاصًا، وكم من ضحكة ظننا أنها عادية أصبحت فيما بعد كنزًا نعود إليه في صمت. نحن نعيش بين لحظات صغيرة لا نمنحها حقها؛ نظرة عابرة، حديث قصير، صوت شخص نحبه، مكان اعتدنا وجوده... ثم يأتي الزمن ليخبرنا أن بعض الأشياء كانت هدايا مؤقتة لم نعرف قيمتها إلا بعد رحيلها.
أيها الغريب، ربما يكون أعظم ما نتعلمه في هذه الحياة هو أن كل شيء عابر، ليس لأن الأشياء بلا قيمة، بل لأنها ثمينة إلى درجة أنها لا تُمنح لنا إلى الأبد. فالأشخاص الذين يمرون في حياتنا يتركون أجزاءً منهم فينا، حتى بعد أن تفصل بيننا المسافات أو يأخذهم القدر إلى أماكن لا نستطيع الوصول إليها.
الفقدان هو اللغة الصامتة التي نتعلمها جميعًا يومًا ما. إنه لا يأخذ منا الأشخاص فقط، بل يأخذ النسخ القديمة منا التي كانت موجودة معهم. ومع ذلك، يبقى أثرهم حيًا؛ في تفاصيل صغيرة لا يلاحظها أحد، في أغنية تذكرنا بهم، في رائحة مكان، في عادة ورثناها منهم، وفي دعاء نهمس به دون أن يسمعنا أحد.
لقد أدركت أن الحياة ليست فقط عدد السنوات التي نعيشها، بل عدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا أحياء حقًا. لحظة امتنان، لحظة حب، لحظة غفران، لحظة نظرنا فيها إلى السماء وشعرنا بصغرنا أمام هذا الكون الواسع.
لذلك، أيها الغريب، لا تؤجل الكلمات الجميلة، ولا تؤجل الاعتذار، ولا تؤجل الاحتفاظ باللحظات التي تستحق أن تُحفظ. فربما تكون بعض الأشياء التي نمر بها اليوم هي الذكريات التي سنبحث عنها غدًا.
لا أعلم من أنت، ولا ما الذي تحمله في قلبك، لكنني أتمنى أن تكون رحيمًا بنفسك، وأن تمنح للحياة فرصة أن تفاجئك بجمالها، حتى بعد الأيام التي أثقلت روحك.
قد لا تجمعنا معرفة، وقد لا يتكرر هذا اللقاء بين سطور رسالة، لكن يكفيني أن تصل إليك هذه الكلمات كتحية هادئة من إنسان إلى إنسان؛ تذكير صغير بأننا جميعًا عابرون، وأن أجمل ما يمكن أن نتركه خلفنا هو أثر طيب في قلوب من مررنا بهم...
بكل السكينة والاحترام.
النهايات المفتوحة في الأدب قد تكون أسلوبا فنيا يحسب للكاتب، لكنها في الحياة الواقعية وفي المشاعر الإنسانية ليست سوى نزيف مؤجل للأسئلة. في الروايات، يمكنك إغلاق الكتاب والتذمر من غياب الصفحة الأخيرة، لكن عندما يتحول الأشخاص الذين وثقت بهم إلى "ضباط" يمارسون القسوة باحترافية ويختارون الانسحاب دون توضيح، تصبح تلك "النهاية المفتوحة" طعنة حقيقية تترك غائرة دون مداواة.
ليس الخطأ لأني أطلب ختاما مكسوا بالاحترام، بل الخلل فيمن يستسهلون الرحيل ويتفادون شجاعة المواجهة، مستغلين عمق مشاعري لتأدية دور "المغادر الصامت".
أكتبُ إليكِ/إليكَ رسالةً مجهولة، كأنني أرمي زجاجةً في بحرِ الغيب، لا أرجو منها جواباً، بقدر ما أرجو أن تصلَ بصمتٍ كما بدأت.
أدّعي كثيراً أنني بارعةٌ في صياغةِ الشعور، ومنحِ الكلماتِ نبضاً، لكنني أمام هذه اللحظة لا أملكُ شيئاً لأقوله.. الكلماتُ كثيرة، لكنّ المعنى يلوذُ بالصمت.
أشارككَ/أشارككِ اعترافاً تأخر كثيراً. لطالما خُيّل إليّ أن الكلمات هي كل ما أملك، لكنني اليوم وجدتُ شيئاً أعمق.. وجدتُ نفسي، أو ربما بدأتُ أفهمها أخيراً. لقد اكتشفتُ أن جرأة قول "نعم" حين يريد القلب، و"لا" حين ترفض الروح، قد حررت الكثير من داخلي، وكسرت زنزانة لم أكن أعلم أنني سجينةٌ فيها.
الكون واسع، وفي هذه الحياة الكثير من المحطات.. وعلى الإنسان أن يواكب كل ذلك، وأن يحافظ على نظافته في بركة الوحل هذه. نعم، يتملكني أحياناً غضبٌ من كيف لي العيش هنا؟ وكيف أن كل محاولةٍ للخروج يجرّها الحبل الذي ربطتُ نفسي به! فما بال هذه الحياة؟
وماذا عنك؟ هل وجدت نفسك؟ كيف تعيش، ومن أنت؟ وكيف لنا أن نكون هنا أصلاً؟
ربما تكمن مأساة الإنسان الكبرى في وعيه، في هذا التساؤل المستمر: لِمَ يأبى الإنسان الموت رغم كل هذا الثقل؟
وفقاً ما هي مأساة الإنسان الكبرى؟
عزائي، وعزاؤكَ/عزاؤكِ، أن هذه دنيا عابرة، وأن الليل –بكل ما فيه من شجن– هو مأوى الأرواح التي تدرك أن للأحزان دوراً في منح الحياة معناها الحقيقي. وكما أنت.. تظلُّ/تظلينَ غامضاً/غامضةً كفكرةٍ جميلة، وبعيداً/بعيدةً كأمنيةٍ لا تكتمل إلا في الدعاء.
سلامٌ لروحك، حيثما كنت.
لقد تغيّرتَ كثيرًا منذ عام 2000. تسلّلت الشعيرات البيضاء إلى رأسك، وأرهق الزمن عينيك، فاستقرّت تحتهما الهالات والحُفر. وضعف تركيزك إلى درجة أنك لم تعد تتذكّر في أيّ يوم أنت.
لكن اسمك ما زال كما كان: لطيفًا، هادئًا، وغير مثير للريبة في مكان معيشتنا. وما زلتَ تعيش داخل فقاعتك، مستسلمًا لعزلتك، تخلع عنك اليأس أحيانًا وتُحيي ذكريات طفولتك في ومضات خاطفة.
كنتَ الأوسم والأكثر حبًّا. وكنتُ، بسذاجتي القديمة، أعتقد أن الأشخاص والأشياء لا يتغيّرون. عشتُ زمنًا طويلًا مؤمنةً بأن الجوهر هو ما يجذب البشر بعضهم إلى بعض، وهو ما يجعلهم روحًا واحدة؛ لا الرأسمالية ولا الشيوعية ولا غيرهما من الكلمات الكبيرة التي تنتهي بياء وتاء.
ما زلتُ أواجه تحوّلات الحياة واجتياحات اشتياقي إلى أشخاص لم يبقَ منهم سوى أجزاء من أرواحهم عالقة في رأسي. أدّعي القوة كل صباح، وأزرع الإيجابية بثقة مدرّبة حياة، بينما تتداعى روحي في صمت.
لقد تغيّرتُ أنا أيضًا. أصبحتُ أكثر عصبية وأنانية، وأكثر اشمئزازًا من الواقع. كان الغفران جزءًا لا يتجزأ من رحلتنا، وقد غفرتُ لك حتى آخر نفس.
لكنني لن أغفر لك أنك، حين قرّرت الرحيل، وطئتَ بقدمك آخر وردة ياسمين كانت لا تزال تنمو بيننا.
إلى مَن قد يهمّه الأمر
بالأمس طبعتُ روايتي الأولى، قمت بتصغير الخط لتكون في 134 صفحة. لم يعجبني رقم 177.
شعور غريب أن ينتهي هُنا تحت وطأة الشمس الحارة ما بدأتُ كتابته في بلدٍ آخر، في مكتبة تساقَطَ حولها الثلج حتى كسرَ جمالُه جمودَ القرّاء الألمان في الداخل.
لا تهم جودة الرواية فهي الأولى ولن أقسو عليها، لكن فعلًا كهذا يستحق المشاركة، وأنا أحتاج شاهدًا لا أعرفه أخبره ما حدث.
ليس بالشيء العظيم. فقط كتبت رواية.
وصرتَ تعلم ذلك الآن.
إلى شخص ما بعرفه...
بصراحة ما بعرف من وين بلش، ولا شو ممكن أحكي لشخص ما بعرف عنه أي شي. بس يمكن هاد هو الحلو بالفكرة، إنك تحكي مع حدا ما بيعرفك، وما عنده أي فكرة عن حياتك أو أخطائك أو الأشياء اللي تعبتك.
أنا امرأة عادية، عشت كتير أشياء، وفي أشياء بحياتي لسه ما عرفت كيف أتخطاها. يمكن في أشياء كنت قوية فيها، وأشياء تانية كنت أضعف بكتير مما كنت أتوقع.
طول عمري كنت من الناس اللي بيعطوا كتير، وبيسامحوا كتير، وبيحاولوا يحافظوا على اللي بيحبوه حتى لو كانوا هنن عم يتعبوا. وكنت أوقات فكر إنو التحمل والحب والتنازل هني دليل قوة.
بس مع الوقت اكتشفت إنو مو دايمًا.
اكتشفت إنك ممكن تحب حدا من قلبك، ومع هيك وجوده بحياتك ما يكون الشي الصح إلك. وممكن تسامح شخص، بس هاد ما بيعني إنك لازم ترجع تعطيه نفس المكان بقلبك.
وأهم شغلة عم حاول أتعلمها لليوم هي إني ما أنسى حالي وأنا عم حاول أرضي الكل.
إذا كنت إنت كمان عم تمر بشي صعب، ما رح أعطيك نصيحة كبيرة وأقولك شو تعمل، لأن كل شخص بيعرف وجعه أكتر من أي حدا تاني.
بس بقولك لا تاخد قرار نهائي بسبب شعور مؤقت.
إذا كنت موجوع، استنى شوي. إذا كنت معصب، استنى. وإذا كنت حاسس إنك خسرت كل شي، تذكر إنك يمكن بس عم تشوف حياتك من مكان مظلم، مو من الصورة كلها.
وإذا حدا ما قدّر حبك أو طيبتك، لا تندم إنك كنت منيح معه. الطيبة مو غلط، بس يمكن لازم نتعلم لمين نعطيها.
وبصراحة، ما بعرف إذا هالرسالة رح تعني لك شي أو رح تقراها وتكمل يومك عادي.
بس إذا وصلت لعندك بوقت كنت محتاج فيه حدا يقولك "رح تمرق"، فاعتبرني هالشخص المجهول اللي عم يقولك:
رح تمرق... حتى لو هلىء مو قادر تصدق.
ومن شخص ما بيعرفك،
بس بتمنى لك من قلبي أيام أهدى وأخف.
أريدُ أن أكتب في زمن ماعادت الكتابة فيه، في حين أُستبدلت الكتابة البشرية إلى كتابة اصطناعيّة، قامت الالات تعبر بدلاً منا، ومن ثم أصبحنا مكبلين بالأمراض النفسية، كانت الكتابة دوائي، لكني أحببتُ أن أكتب حزني إلى شخص لا يعلم من أنا و لا يحاسبني و لا أرى في عينه نظرة شفقة. (...)
لا أدري لماذا قدت كلماتي غير متناسقة، لكني أردتُ الكتابة و البوح ما بداخلي، حتى أريح داخلي، حينما تكتب إلى شخص لا تعرفه، تعيش حياة جديدة.
بدأت الكتابة في تاريخ 19 أغسطس. اليوم حمل خبرين؛ الأول سرّني كثيرًا، والآخر أحزنني كثيرًا. لذا قد تبدو رسالتي غريبة؛ لأنني في حال أحتاج فيها إلى أن أتحدث، إذ لا يوجد من يُصغي، أو بالأصح، رحل من كنت أحكي له. (...)
في النهاية، سبب كتابة الرسالة أقرب إلى الفضفضة؛ لأنني لا أعرف ماذا أفعل. أعرف ما أريده، لكن خوفي يمنعني، وداخلي مشاعر أكثر من التي ذكرتها، لكنني لا أستطيع إخراجها؛ لأن مساحتي الهادئة اختفت.
أيها الرَحال في هذه الحياة، أيها السوّاح المنهك من صفعات الأيام واضطراباتها، على علمٍ أنك لستَ بخير، وأن جرح الدنيا غائرٌ في لحمك، حبٌ ضائع، فرحٌ غائب، والكثير من التيه والألم المبرر وغير المبرر، السنوات فقدت عقلها وتصيبك بالهلع، تتلاعب بك كدميّتها المفضلة، تؤخذك إلى الأعالي لتلامس الغيم ثم تطعمك غبار الأحذية، أعلم أنك تعاني وتنزف وتتآكل يومًا عن يوم وساعة عن أخرى، تشرد وتتخيل أوجاعك تلملم حقائبها قاصدة الرحيل، وتفتح عينيك لتجدها ما زالت في أحضانك، متعلقة بكتفيك وملتفة حول عنقك. أيها الغريب الذي أثقلته الهموم، أشعر بك، وربما يمكنني رؤية ملامحك الشاحبة من هنا، ذوبان طاقتك وخوار قوتك، أرى اللمعة المندسة في عينيك تأبى الخروج وتخشى العالم، ونفسك الصغيرة التي تطالب بالكثير الذي تفقده، بالحب والعناق والاهتمام واللهفة، ونفسك الكبيرة التي تنتظر طموحاتك على صحنٍ من ذهب، وتنتظر عائلتك وأطفالك، نفسك الحالية تشفق عليك وتدمع ليلًا ونهار، عالقٌ بين ما تود أن تكون وما أنت عليه وما كنته، مرةً تحنُ لبرائتك القديمة، ومرةً تكره غباءها، مرةً تتوق لنسختك الجديدة، ومرة تلتمس بُعدها عنك ورفصها لك ميتًا في المسافة بينهما، تود لو كان كل شيء مختلفًا، لكن أتعلم يا عزيزي؟ أنت كل هذا.
قررت اليوم. مجددا، أن أكتب ما يدور ببالي وادونه. كانت إحدى هوياتي التي حاولت إتقانها ثم عجزت عن الاستمرار كما عجزت عن غيرها.
• الفقرات لا تترتب في عقلي بسهولة. يحتاج مني الأمر الكثير من الوقت، ولكنها أحيانا تتدفق بانسيابية تدهشني. لست أنا التي تخرج الكلمات من فمي عفو خاطر ولست أنا التي تقول ما ببالها من دون دموع تخنقني. ويخنقني أيضا الجمود ويخنقني أيضا شعور العجز. وينسيني هذا يقيني أن الله لا ينساني رغم تقصيري.
• لذا قد يكون المكتوب هنا سلسا في مرة وخليط مشاعر في مرات أخرى. إلا أنني في الحالتين سأكتبه، ثم اقرأه حيناً آخر. حين تتغير أفكاري، ويالرعبي من تغيرها. (...)
• وقررت أيضاً في إحدى أفكاري العابرة أنني عندما أبني بيتي الخاص -إن أذن المولى-. سأخصص زاوية أو غرفة للبكاء. كل أنواع البكاء. لا اريد أن أمنع دمعة مجراها مجدداً.
سيعرف الحميع بحزني عند حزني كما علموا بسروري وفرحي، لا أريد أن اتظاهر بالقوة أمام احبائي أو اخذ اكثر من حصتي في التعب، لا مزيد من اختلاس الدموع أثناء تأدية الواجبات المنزلية!
لا أعرف من أنت، ولا أين تعيش، ولا كم عمرك، ولا كيف تبدو، ولا ما الذي مررت به قبل أن تصل إليك هذه الرسالة. لا أعرف حتى إن كنت شخصًا يحب الكلام الكثير، أم تفضّل الصمت، ولا أعرف ما الأشياء التي تجعلك تبتسم، أو ما الأشياء التي تؤلمك.
ومع ذلك، أجد شيئًا جميلًا جدًا في فكرة أن أكتب إليك.
لطالما شعرت أن الإنسان يحمل داخله أشياء كثيرة لا يقولها. أفكارًا، وأسئلة، وذكريات، وأحلامًا، وأحيانًا حزنًا لا يعرف كيف يشرحه للآخرين. نعيش وسط الناس، نتحدث ونضحك ونسأل بعضنا «كيف حالك؟»، ثم نكتفي غالبًا بإجابة قصيرة مثل «بخير»، حتى عندما لا نكون بخير فعلًا.
ولهذا أحببت فكرة هذه الرسالة.
أن أكتب لشخص لا أعرفه، دون أن أعرف قصته، ودون أن يكون بيننا أي شيء سوى هذه الكلمات.
أريد أن أسألك أولًا: كيف حالك حقًا؟
ليس كيف حالك أمام الناس، ولا كيف تبدو في صورك، ولا كيف تجيب عندما يسألك أحدهم هذا السؤال بشكل عابر.
كيف حالك عندما تكون وحدك؟
هل أنت سعيد هذه الفترة؟ هل تشعر أنك في المكان الذي تريد أن تكون فيه؟ هل لديك شيء تنتظره بشغف؟ أم أنك تمر بفترة تحاول فيها فقط أن تتجاوز يومًا آخر؟
…
وفي النهاية، ربما لن نتذكر بعضنا طويلًا. ربما ستكون هذه مجرد رسالة وصلت إلى صندوق بريدك، قرأتها ثم أغلقتها، أو ربما ستحتفظ بها لسبب لا أعرفه.
لكنني أتمنى، ولو لثوانٍ قليلة، أن تشعر وأنت تقرأها أن هناك شخصًا في مكان ما تمنى لك الخير دون أن يعرفك، ودون أن ينتظر منك شيئًا.
أتمنى أن تكون بخير، وإن لم تكن كذلك الآن، أتمنى أن يأتي يوم قريب تستطيع فيه أن تقول «أنا بخير» وتكون هذه المرة صادقًا.
اعتنِ بنفسك.
وإذا شعرت يومًا أن العالم أصبح قاسيًا جدًا، تذكر أن هناك دائمًا مساحة صغيرة للّطف، حتى لو جاءت من شخص مجهول.
ربما كانت هذه الرسالة واحدة منها.
تحية إليك..
تحية مليئة بالسلام..
لا أعرف من أنت، ولا كيف ستصل إليك هذه الكلمات، وربما لن أعرفك أبدًا… لكنني اليوم قررت أن أكتب لك شيئًا من القلب.
أتمنى أن تكون بخير، ليس بخير تلك التي نقولها مجاملة، بل بخير حقيقي… أن يكون قلبك مطمئنًا، وأن تجد في أيامك ما يجعلك تستمر حتى في الأيام التي تشعر فيها أنك لم تعد تملك طاقة للاستمرار.
ربما تحمل في داخلك حكاية لا يعرفها أحد، وجعًا أخفيته طويلًا، أو حلمًا تأجل كثيرًا، أو شخصًا فقدته وما زال جزء منك يبحث عنه في تفاصيل الحياة.
وأنا لا أعرف شيئًا عن كل ذلك… لكنني أعرف أن كل إنسان يستحق في هذه الحياة شخصًا يفهمه دون أن يضطر لشرح نفسه، وشخصًا يطمئن قلبه بدلًا من أن يكون سببًا في خوفه.
لذلك، يا مجهول، إن كنت تمر بوقت صعب… لا تستسلم.
وإن كنت تشعر أنك تأخرت عن شيء تتمناه، فتذكر أن بعض الأشياء الجميلة تأتي بعد أن نظن أنها لن تأتي أبدًا.
وإن كان في قلبك شخص تشتاق إليه، فأتمنى أن تجمعكما الأيام بطريقة أجمل مما تتخيل.
وإن كنت قد خُذلت من أحد، فلا تجعل خذلان شخص واحد يجعلك تفقد إيمانك بكل الأشياء الجميلة.
أما إن كنت سعيدًا الآن… فأتمنى أن تدوم سعادتك، وأن لا تضطر يومًا للبحث عن نفسك من جديد.
قد لا تعرفني، وقد لا يكون لهذه الرسالة أي معنى بالنسبة لك… لكنني أردت فقط أن أترك لك شيئًا صغيرًا يشبه الدعاء:
اللهم اجعل القادم من عمره أحنّ عليه من ماضيه، وارزقه راحة لا يخالطها خوف، وفرحًا لا يعقبه وجع، وأشخاصًا يحبونه بصدق، وحياةً تشبه الأشياء التي تمناها سرًا ولم يخبر بها أحدًا.
ومن يدري…
ربما يكون بيننا لقاء في يوم من الأيام، فنكتشف أن «المجهول» لم يكن مجهولًا تمامًا… وأن هذه الرسالة وصلت إلى الشخص الذي كان مقدرًا لها أن تصل إليه.
وتقبل تحياتي.
قد تكون الرسالة المُختارة القادمة منك!
رسالتك لا تحتاج إلى اسم يعرفه القارئ؛ تحتاج فقط إلى صوتك.
اكتب رسالتك